قوله تعالى: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله} .
فيه ست وعشرون مسألة:
الأولى قوله تعالى: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسَعْيٍ؛ ومن ذلك قول الشاعر:
وقد طوّفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
وقال آخر:
ومُطْعَم الغُنْم يوم الغنم مُطْعَمُه ... أنَّى توجّه والمحروم محروم
والمغنم والغنيمة بمعنىً؛ يقال غُنَم القوم غُنْماً.
واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: {غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} مال الكفار إذا ظفِر به المسلمون على وجه الغلبة والقَهْر.
ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيّناه، ولكن عُرف الشرع قيّد اللفظ بهذا النوع.
وسَمّى الشرعُ الواصلَ من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة وفيئاً.
فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوّهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يُسَمى غنيمة.
ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عُرفاً.
والفَيْء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف.
كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم.
ونحو هذا قال سفيان الثَّوْرِيّ وعطاء بن السائب.
وقيل: إنهما واحد، وفيهما الخمس؛ قاله قتادة.
وقيل: الفيء عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر.
والمعنى متقارب.
الثانية هذه الآية ناسخة لأوّل السورة؛ عند الجمهور.
وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومةٌ على الغانمين؛ على ما يأتي بيانه.
وأن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر؛ على ما تقدّم أوّل السورة.