قوله عز وجل { ... وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ}
والفشل هو التقاعد عن القتال جبناً.
{وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يريد بالريح القوة، وضرب الريح لها مثلاً.
والثاني: يريد بالريح الدولة. ومعناه فتذهب دولتكم، قاله أبو عبيدة.
والثالث: يريد ريح النصر التي يرسلها الله عز وجل لنصر أوليائه وهلاك أعدائه قاله قتادة وابن زيد.
ويحتمل رابعاً، أن الريح الهيبة، وريح القوم هيبتهم التي تتقدمهم كتقدم الريح. ويكون معنى الكلام. فتذهب ريحكم وهيبتكم. انتهى انتهى. {النكت والعيون حـ 2 صـ}
وقال ابن عطية:
قوله {وأطيعوا الله ورسوله} الآية
استمرار على الوصية لهم والأخذ على أيديهم في اختلافهم في أمر بدر وتنازعهم، و {تفشلوا} نصب بالفاء في جواب النهي، قال أبو حاتم في كتاب عن إبراهيم"فتفشِلو"بكسر الشين وهذا غير معروف وقرأ جمهور الناس"وتذهبَ"بالتاء من فوق ونصب الباء، وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم"وتذهبْ ريحكم"بالتاء وجزم الباء، وقرأ عيسى بن عمر"ويذهبْ"بالياء من تحت وبجزم يذهب، وقرأ أبو حيوة"ويذهبَ"بالياء من تحت ونصب الباء، ورواها أبان وعصمة عن عاصم، والجمهور على أن الريح هنا مستعارة والمراد بها النصر والقوة كما تقول: الريح لفلان إذا كان غالباً في أمر، ومن هذا المعنى قول الشاعر وهو عبيد بن الأبرص: [البسيط]
كما حميناك يوم العنف من شطبٍ ... والفضل للقوم من ريح ومن عدد
وقال مجاهد:"الريح"النصر والقوة، وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد، وقال زيد بن علي {وتذهب ريحكم} معناه الرعب من قلوب عدوكم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن بشرط أن يعلم العدو بالتنازع، وإذا لم يعلم فالذاهب قوة المتنازعين فيهزمون، وقال شاعر الأنصار: [البسيط]
قد عوَّدَتْهمْ ظباهم أن تكونَ لهمْ ... ريحُ القتالِ وأسلابُ الذين لقوا
ومن استعارة الريح قول الآخر: [الوافر]
إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل عاصفة سكون
وهذا كثير مستعمل وقال ابن زيد وغيره: الريح على بابها، وروي أن النصر لم يكن قط إلا بريح تهب فتضرب في وجوه الكفار، واستند بعضهم في هذه المقالة إلى قوله صلى الله عليه وسلم:"نصرت بالصبا"وقال الحكم {وتذهب ريحكم} يعني الصبا إذ بها نصر محمد صلى الله عليه وسلم وأمته.
قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما كان في غزوة الخندق خاصة، وقوله {واصبروا} إلى آخر الآية، تتميم في الوصية وعدة مؤنسة. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}