{وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم}
مقدر بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين على ما قيل، ويجوز أن يكون المضمر مخاطباً به المؤمنون والعطف على لا تكونوا، أي واذكروا إذ زين لهم الشيطان أعمالهم في معاداة المؤمنين وغيرها بأن وسوس إليهم {وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ} أي ألقى في روعهم وخيل لهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم وعددهم وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات مجير لهم وحافظ عن السوء حتى قالوا: اللهم أنصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين، فالقول مجاز عن الوسوسة، والإسناد في {إِنّى جَارٌ} من قبيل الإسناد إلى السبب الداعي و {لَكُمْ} خبر {لا} أو صفة {غَالِبٌ} والخبر محذوف، أي لا غالب كائناً لكم موجود و {اليوم} معمول الخبر ولا يجوز تعلق الجار بغالب وإلا لانتصب لشبهه بالمضاف حينئذٍ، وأجاز البغداديون الفتح وعليه يصح تعلقه به، و {مِنَ الناس} حال من ضمير الخبر لا من المستتر في {غَالِبٌ} لما ذكرنا، وجملة إني جار تحتمل العطف والحالية {فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان} أي تلاقى الفريقان وكثيراً ما يكنى بالترائي عن التلاقي وإنما أول بذلك لمكان قوله تعالى: {نَكَصَ على عَقِبَيْهِ} أي رجع القهقرى فإن النكوص كان عند التلاقي لا عند الترائي، والتزام كونه عنده فيه خفاء.
والجار والمجرور في موضع الحال المؤكدة أو المؤسسة أن فسر النكوص بمطلق الرجوع، وأياً ما كان ففي الكلام استعارة تمثيلية، شبه بطلان كيده بعد تزيينه بمن رجع القهقرى عما يخافه كأنه قيل: لما تلاقتا بطل كيده وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم.