{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) }
هذا بيان لحكم القسم المقابل لقوله: {إن الذين آمنوا وهاجروا} [الأنفال: 72] وما عطف عليه.
والواو للتقسيم والإخبار عنهم بأنّ بعضهم أولياء بعض خبر مستعمل في مدلوله الكنائي: وهو أنّهم ليسوا بأولياء للمسلمين، لأنّ الإخبار عن ولاية بعضهم بعضاً ليس صريحة ممّا يهمّ المسلمين لولا أنّ القصد النهي عن موالاة المسلمين إيّاهم، وبقرينة قوله: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} أي: إنْ لا تفعلوا قطع الولاية معهم، فضمير تفعلوه عائِد إلى ما في قوله: {بعضهم أولياء بعض} بتأويل: المذكور، لظهور أنْ ليس المراد تكليف المسلمين بأن ينفذوا ولاية الذين كفروا بعضهم بعضاً، لولا أنّ المقصود لازم ذلك وهو عدم موالاة المسلمين إيّاهم.
والفتنة اختلال أحوال الناس، وقد مضى القول فيها عند قوله: {حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102] وقوله {والفتنة أشد من القتل} في سورة [البقرة: 191] ، وقد تقدّم القول فيها آنفاً في هذه السورة.
والفتنة تحصل من مخالطَة المسلمين مع المشركين، لأنّ الناس كانوا قريبي عهد بالإسلام، وكانت لهم مع المشركين أواصر قرابة وولاء ومودّة ومصاهرة ومخالطة، وقد كان إسلام من أسلم مثيراً لحنق المشركين عليه، فإذا لم ينقطع المسلمون عن موالاة المشركين يخشى على ضعفاء النفوس من المسلمين أن تجذبهم تلك الأواصر وتفتنهم قوة المشركين وعزّتهم، ويقذف بها الشيطان في نفوسهم، فيحِنّوا إلى المشركين ويعودوا إلى الكفر.