ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
قوله عز وجل {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخرِ}
«فإن قيل» : فأهل الكتاب قد آمنوا بالله واليوم الآخر فكيف قال ذلك فيهم؟
ففيه جوابان: أحدهما: أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بجميع حقوقه , فكانوا بترك الإقرار بحقوقه كمن لا يقرّ به.
والثاني: أنه ذمّهم ذم من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر للكفر بنعمته , وهم في الذم بالكفر كغيرهم.
قوله عز وجل {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ}
أما قول اليهود ذلك فسببه أن بختنصر لما أخرب بيت المقدس أحرق التوراة حتى لم يبق بأيديهم شيء منها , ولم يكونوا يحفظونها بقلوبهم , فحزنوا لفقدها وسألوا الله تعالى ردها عليهم , فقذفها الله في قلب عزير , فحفظها وقرأها عليهم فعرفوها فلأجل ذلك قالوا إنه ابن الله. واختلف فيمن قال ذلك على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن ذلك كان قول جميعهم , وهو مروي عن ابن عباس.
والثاني: أنه قول طائفة من سلفهم.
والثالث: أنه قول جماعة ممن كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واختلف فيهم على قولين:
أحدهما: أنه فنحاص وحده , ذكر ذلك عبيد بن عمير وابن جريج.
والثاني: أنهم جماعة وهم سلام ابن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف , وهذا مروي عن ابن عباس.
«فإن قيل» : فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟
قيل: لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره , فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم.
{وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} وهذا قول جميعهم , واختلف في سبب قولهم لذلك على قولين: أحدهما: أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا إنه ابن الله , تعالى الله عن ذلك.
الثاني: أنهم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى.
{ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْواهِهِمْ}
معنى ذلك: وإن كانت الأقوال كلها من الأفواه: أنه لا يقترن به دليل ولا يعضده برهان , فصار قولاً لا يتجاوز الفم فلذلك خص به.
قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) }
«فإن قيل» : فقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ}