{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ}
و"انسلخ"يعني انقضت وانتهت الأشهر الحرم، ومادة"سلخ"و"انسلخ"تدور كلها حول نزع شيء ملتصق بشيء، فتقول:"سلخت الشاة"أي نزعت الجلد عن اللحم، والجلد يكون ملتصقا باللحم شديداً. فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن الأشهر الحرم هي زمان، والزمان ظرف، فالناس مظروفون في الزمان والمكان، فكأن الأشهر الحرم تحيطهم كوقاية لهم من المؤمنين، فإذا مرت الأشهر الحرم تزول هذه الوقاية عنهم بعد أن كانت ملتصقة بهم، والإنسلاخ له معنيان: فمرة يقال ينسلخ الشيء عن الشيء، ومرة يقال: ينسلخ الشيء من الشيء، ولذلك تجد في القرآن الكريم تبارك وتعالى: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا} [الأعراف: 175] .
وهذه الآية الكريمة التي نزلت في ابن باعوراء الذي أعطاه الله العلم والحكمة والآيات، ولكنه تهاون فيها وتركها، فكأنه هو الذي انسلخ بإرادته وليست هي التي انسلخت منه، وصار بذلك مقابلا للشاة، ونحن نسلخ جلد الشاة من الشاة.
والحق سبحانه وتعالى أيضا يقول: {وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار} [يس: 37] .
فكأن الليل مثل الذبيحة، ثم يأتي النهار فيسلخ منه الظلمة وبزيلها عنه ويأتي بالضياء، فكأن الليل ثوب أسود يأتي عليه ثوب أبيض هو النهار، فإذا جاء ميعاد الليل رفع الثوب الأبيض أو سلخ النور عن ظمة الليل؛ لتصبح الدنيا مليئة بظلام الليل، وكأن النور هو الذي يطرأ على الظلمة فيكسوها بياضا، أي أن الضوء هو الذي يأتي ويذهب، بينما الظلمة موجودة، فإذا جاءها ضوء الشمس صارت نهارا، وإذا انسلخ منها صارت ليلاً.
وماذا يحدث عندما تنتهي الأشهر الحرم؟ يقول الحق سبحانه وتعالى: