قوله عز من قائل: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(1)
هؤلاء هم طائفة من المشركين كان بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد
فظاهروا عليه، فأمر رسوله أن يتبرأ إليهم من عهدهم، وأجَّل لهم أربعة أشهر
يسيحون أي يسيرون في الأرض آمنين انتظارًا للتوبة منهم، وأعلمهم أن الله
تعالى [مخزي] الكافرين، وأنهم [يتقلبون] في قبضته لا يعجزونه، ثُمَّ آذان منه في
إعلام إلى جميع المشركين عامة بالبراءة والتبرئ منهم وأعلمهم أن الله مخزي
الكافرين.
يقول الله - جلَّ جلالُه: قل لهم يا محمد: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ...(3) .
أي: يدخلكم في ولايته ورحمته (وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) الأسر والقتل في الدنيا وفي الآخرة عذاب النار.
ثم قال عز من قائل: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا) فاستثنى هؤلاء من الناس.
ثم قال عز من قائل: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ... ) وكان نزول
هذه السورة في ذي الحجة من عام تسع من الهجرة، وكان أمير الحاج يومئذٍ أبا بكر
الصديق - رضي الله عنه -، فأتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقرؤها على الناس
وينادي: ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، وإتمام هذا
الأمر المجعول لهؤلاء في إكمال خمسين يومًا من يوم الحج الأكبر، وهو آخر شهر
المحرم.
ثم قال جل من قائل: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ... (6)
ثم قال جل قوله: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ...(7)
يقول جل ذكره: لأي إيمان وإسلام؛ لأي قرب؛ لأي ولاية يكون
للمشركين عهد عند الله وعند رسوله؛ ثم استثنى من جملة المشركين عهد