{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) }
فيه خمس عشرة مسألة:
الأُولى قوله تعالى: {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر} لما حَرّم الله تعالى على الكفار أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم بما قُطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها؛ قال الله عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} الآية.
على ما تقدّم.
ثم أحلّ في هذه الآية الجِزْية وكانت لم تؤخذ قبل ذلك؛ فجعلها عِوضاً مما منعهم من موافاة المشركين بتجارتهم.
فقال الله عز وجل: {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر} الآية.
فأمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر إكراماً لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل، وخصوصاً ذِكر محمد صلى الله عليه وسلم وملّته وأُمّته.
فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة وعظُمت منهم الجريمة؛ فنبّه على محلهم ثم جعل للقتال غاية، وهي إعطاء الجزية بدلاً عن القتل.
وهو الصحيح.
قال ابن العربيّ: سمعت أبا الوفاء عليّ بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتجّ بها.
فقال:"قَاتِلُوا"وذلك أمر بالعقوبة.
ثم قال:"الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ"وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة.
وقوله:"وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ"تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد.
ثم قال: {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ} زيادة للذنب في مخالفة الأعمال.
ثم قال: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق} إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام.