يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
فيه إحدى عشرة مسألة:
الأُولى قوله تعالى: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل} دخلت اللام على يفعل، ولا تدخل على فَعَل؛ لمضارعة يَفْعَل الأسماء.
والأحبار علماء اليهود.
والرُّهبان مجتهدو النصارى في العبادة.
"بِالْبَاطِلِ"قيل: إنهم كانوا يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضاً باسم الكنائس والبِيع وغيرِ ذلك؛ مما يوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلّف إلى الله تعالى، وهم خلال ذلك يحجبون تلك الأموال؛ كالذي ذكره سَلْمان الفارسِيّ عن الراهب الذي استخرج كنزه؛ ذكره ابن إسحاق في السير.
وقيل: كانوا يأخذون من غَلاّتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدِّين والقيامِ بالشرع.
وقيل: كانوا يرتشون في الأحكام؛ كما يفعله اليوم كثير من الولاة والحُكّام.
وقوله:"بِالْبَاطِلِ"يجمع ذلك كله.
{وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} أي يمنعون أهل دينهم عن الدخول في دين الإسلام، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
الثانية قوله تعالى: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} الكنز أصله في اللغة الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة.
ألا ترى قوله عليه السلام:"ألاَ أخبركم بخير ما يكنز المرءُ المرأة الصالحة"أي يضمه لنفسه ويجمعه.
قال:
ولم تزوّد من جميع الكنز ... غير خيوط ورَثِيث بَزِّ
وقال آخر:
لا دَرَّ درّي إن أطعمتُ جائعَهم ... قِرْف الحَتيّ وعندي البُرُّ مكنوز
قرف الحتِيّ هو سَوِيق المُقْل.
يقول: إنه نزل بقوم فكان قِراه عندهم سويق المقل، وهو الحَتِيّ، فلما نزلوا به قال هو: لا دَرّ دَرِّي ...
البيت.
وخص الذهب والفضة بالذكر لأنه مما لا يُطّلَع عليه، بخلاف سائر الأموال.