فصل
قال الجصاص:
قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ}
أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ هُوَ تَمَلُّكُهُ مِنْ الْجِهَةِ الْمَحْظُورَةِ؛ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الرِّشَا فِي الْحُكْمِ وَذَكَرَ الْأَكْلَ، وَالْمُرَادُ سَائِرُ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ وَالتَّصَرُّفِ، إذْ كَانَ أَعْظَمُ مَنَافِعِهِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} وَالْمُرَادُ سَائِرُ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ} وَ {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} .
زَكَاةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةَ؛ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ إيجَابُ إنْفَاقِ جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْوَعِيدَ لَاحِقٌ بِتَرْكِ إنْفَاقِ الْجَمِيعِ لِقَوْلِهِ: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا} وَلَمْ يَقُلْ وَلَا يُنْفِقُونَ مِنْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْجَمِيعَ لَقَالَ: وَلَا يُنْفِقُونَهُمَا قِيلَ لَهُ: لِأَنَّ الْكَلَامَ رَجَعَ إلَى مَدْلُولٍ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يُنْفِقُونَ الْكُنُوزَ، وَالْآخَرَانِ يُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ لِلْإِيجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا} قَالَ الشَّاعِرُ: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَك رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَالْمَعْنَى: رَاضُونَ.