{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ}
أمرَهم بقتال أهلِ الكتابين إثرَ أمرِهم بقتال المشركين وبمنعهم من أن يحرموا حول ما كانوا يفعلونه من الحج والعمرةِ غيرَ خائفين من الفاقة المتوهَّمةِ من انقطاعهم، ونبّههم في تضاعيف ذلك على بعض طرقِ الإغناء الموعودِ على الوجه الكليِّ وأرشدهم إلى سلوكه ابتغاءً لفضله واستنجازاً لوعده، والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلِّية ما في حيز الصلةِ للأمر بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين، فإن اليهودَ مُثَنّيةٌ والنصارى مُثلِّثةٌ، فهم بمعزل من أن يؤمنوا بالله سبحانه وباليوم الآخر فإن عِلمَهم بأحوال الآخرة كلا علمٍ، فإيمانُهم المبنيُّ عليه ليس بإيمان به {وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ} أي ما ثبت تحريمُه بالوحي متلوّاً أو غيرَ متلوٍ. وقيل: المرادُ برسوله الرسولُ الذي يزعُمون اتباعَه أي يخالفون أصلَ دينهم المنسوخِ اعتقاداً وعملاً {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق} الثابتَ الذي هو ناسخٌ لسائر الأديان وهو دينُ الإسلام وقيل: دين الله {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} من التوراة والإنجيل، فمن بيانيةٌ لا تبعيضيةٌ حتى يكونَ بعضُهم على خلاف ما نُعت {حتى يُعْطُواْ} أي يقبَلوا أن يعطوا {الجزية} أي ما تقرَّرَ عليهم أن يُعطوه، مشتقٌّ من جزَى دَينَه أي قضاه، أو لأنهم يَجْزُون بها مَنْ مَنّ عليهم بالإعفاء عن القتل {عَن يَدٍ} حالٌ من الضمير في يُعطوا أي عن يد مؤاتيةٍ مطيعةٍ بمعنى منقادين، أو من يدهم بمعنى مسلّمين بأيديهم غيرَ باعثين بأيدي غيرِهم ولذلك مُنع من التوكيل فيه، أو عن غِنىً ولذلك لم تجِب الجزيةُ على الفقير العاجزِ، أو عن يد قاهرةِ عليهم أي بسبب يد بمعنى عاجزين أذلأَ أو عن إنعام عليهم، فإن إبقاءَ مُهجتِهم بما بذلوا من الجِزية نعمةٌ عظيمةٌ عليهم، أو من الجزية أي نقداً مسلّمةً عن يد إلى يد، وغايةُ القتالِ ليست نفسَ هذا الإعطاء بل قبولَه كما أشير إليه