مقدمة
سورة التوبة من السور المدنية، إلا الآيتين الأَخيرتين منها فهما مكيتان على الراجح وتشتمل على تسع وعشرين ومائة آية.
قال ابن كثير: هذه السورة من أَواخر ما نزل من القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أَخرجه البخاري عن أَبي إِسحق قال: سمعت البراءَ يقول آخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ} . وآخر سورة نزلت"براءَة"وقد جاءَ ترتيبها في المصحف بعد الأَنفال لما يلي:
1 -أَن في سورة الأَنفال حثا على الوفاءِ بالعهود وفي سورة التوبة دعوة إلى نبذها مع الكفار الناكثين لها.
2 -أَن الأَنفال قد اختتمت بفرض الموالاة بين المؤمنين وأَن التوبة قد بدئت بوجوب قطعها بينهم وبين الكفار.
3 -أَن التوبة تشتمل على تفصيل كثير للإِجمال الذي جاءَت به الأَنفال.
4 -أَن كلتا السورتين نزلتا في القتال، وأَنهما دعامتا النظام العسكري في الإِسلام، وفيهما تقرير لأصول إِسلامية كثيرة. ودعوة إِلى تكوين المجتمع الإِسلامي المعتمد على القوة، والاستعداد العسكري القائم على الإِيمان والعلم والطاعة، والحرص على تحمل
المسئولية, والمحافظة على الأَمانة والإِخلاص، وبذل المال في سبيل الله، ومحاربة النفاق والمنافقين.
وسمّيت هذه السورة"سورة التوبة": لما فيها من توبة الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين والأَنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، وعلى الثلاثه الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك - وسيأْتى بيان ذلك.
وفي التوبة تحديد لعلاقة المسلمين بأَعدائهم في آخر عهد النبوة وكانوا ثلاث طوائف:
1 -طائفة مشركى العرب، وقد دعت السورة إلى نبذ عهود الذين لم يوفوا عهودهم منهم وأُمهلوا فيها أَربعة أَشهر يسيحون في الأرض.
كما دعت إِلى الوفاءِ بالعهد إِلى مدته مع الذين لم ينقضوا عهودهم، لتخلص جزيرة العرب للمسلمين وحدهم، حتى تكون كلمة الله هي العليا في مشرق الإِسلام.