قال - عليه الرحمة:
جرد الله سبحانه هذه السورة عن ذكر"بسم الله الرحمن الرحيم"ليعلم أنه يخص من يشاء وما يشاء بما يشاء، ويفرد من يشاء وما يشاء بما يشاء ن ليس لصنعة سبب، وليس له في أفعاله عرض ولا أرب، واتضح للكافة أن هذه الآية أثبتت في الكتاب لأنها منزلة، وبالأمر هنالك محصلة.
ومن قال: إنه لم يذمر التسمية في هذه السورة لأنها مفتتحة بالبراءة عن الكفار فهو - وإن كان وجها في الإشارة - فضعيف، وفي التحقيق كالبعيد، لأنه افتتح سورا من القرآن بذكر الكفار مثل: (لم يكن الذين كفروا ( [البينة: 1] وقوله: (ويل لكل همزة لمزة ( [الهمزة: 1] وقوله: (تبت يدا أبي لهب وتب ( [المسد: 1] وقوله: (قل يا أيها الكافرون ( [الكافرون: 1] .
زهذه كلها مفاتح للسور.
وبسم الله الرحمن الرحيم مثبتة في أوائلها وإن كانت متضمنة ذكر الكفار.
على أنه يحتمل أن يقال إنها وإن كانت في ذكر الكفار فليس ذكر البراءة فيها تصريحا وإن تضمنته تلويحا، وهذه يخشى أن تجرد الصلاة عنها يمنع عن كمال الوصلة والاستحقاق.
{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) }
الفراقُ شديدٌ، وأشدُّه ألا يَعْقُبَه وصال، وفراقُ المشركين كذلك لأنه قال: {إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] .
ويقال مَنْ مُنِيَ بفراق أحبائه فبئست صحبته. وقد كان بين الرسول عليه السلام وبين أولئك المشركين عهد، ولا شكَّ أنهم كانوا قد وطَّنوا نفوسَهم عليه، فنزل الخبرُ من الغيب بغتةً، وأتاهم الإعلامُ بالفرقةِ فجأةً، فقال: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1] ، أي هذه براءة من الله ورسوله، كما قيل:
فَبِتَّ بخيرٍ - والدُّنَى مطمئنةٌ ... وأصبحتَ يوماً والزمانُ تَقَلَّبَا
وما أشدَّ الفُرقةَ - لا سيَّما إذا كانت بغتةً على غير تَرَقُّبٍ - قال تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ} [مريم: 39] وأنشدوا:
وكان سراجُ الوصلِ أزهر بيننا ... فهبَّتْ به ريحٌ من البَيْن فانطفا. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 2 صـ 5 - 6}