ومن لطائف ونكات تفسير الواحدي:
قوله تعالى: {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ}
«فإن قيل» : أليس عندكم لو استطاعوا لخرجوا وإذ لم يخرجوا فلأنهم لم يستطيعوا، والله تعالى قد كذبهم في قولهم لن نستطيع، فبان أنهم استطاعوا ولم يخرجوا؟
قلنا: الاستطاعة ههنا معناه: الزاد والسلاح والمركوب وكانوا مياسير ذوي عدة فاستطاعتهم كانت بالعدة وكُذّبوا في قولهم: لم نستطع.
قوله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى}
«فإن قيل» : أي صلاة تصح لهم حتى ذُموا بالكسل عنها؟
قيل: إنما ذمّوا بأنهم صلوها على غير الوجه الذي أمروا به من النفاق الذي يبعث على الكسل عنها، دون الإيمان الذي يبعث على النشاط لها.
قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ}
«فإن قيل» : أكان المنافقون يحذرون هذا وهم ينطوون على الكفر ومجانبة الإيمان؟.
قيل: هذا لا يلزم على مذهب الزجاج، حيث جعل قوله: (يحذر) بمعنى الأمر، وإن جعلته خبرًا فالمنافقون كانوا ينحرفون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسدًا له وبغيًا، وقلوبهم تشهد بصدقه، وهم يخافون نزول سورة عليه يكشف فيها أمرهم، إذا كانوا لا يشكون في نزول الملائكة عليه، وأن الله يطلعه من الغيب على ما هو مستور عن غيره، هذا كلام ابن الأنباري، وقد أشار الزجاج إلى هذه الجملة حيث قال في قوله: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ} : (ويجوز أن يكون خبرًا عنهم؛ لأنهم كانوا يكفرون عنادًا وحسدًا) .
قوله تعالى: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}
«فإن قيل» : على هذا: إذا كانوا مقصرين فلم أفردوا من الكاذبين الله ورسوله؟
والجواب عن هذا ما أخبرني العروضي عن الأزهري قال أخبرني
المنذري عن ابن فهم عن محمد بن سلام عن يونس النحوي أنه سأله عن قوله: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ} ، قال: قلت ليونس (المعذرون) مخففة كأنها أقيس؛ لأن المعذر الذي له عذر، والمعذر الذي يعتذر ولا عذر له، فقال يونس: (قال أبو عمرو بن العلاء: كلا الفريقين كان مسيئًا، جاء قوم فعذروا، وجلح آخرون فقعدوا) ، يريد أن قومًا تكلفوا عذرًا بالباطل، فهم الذين عناهم الله بقوله: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ} وتخلف آخرون من غير تكلف عذر وإظهار علة جرأة على الله ورسوله، وهو معنى قوله: وجلح آخرون فقعدوا).
«فإن قيل» : لم قال: {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} مع أنه لا يجوز قيامه في الآخَر؟
قيل: للمظاهرة في الحجة بأنه لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا أحق. انتهى انتهى {التفسير البسيط، للواحدي} ...