قوله - جلَّ جلالُه: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
لا يخلو أن يكون الأمر مقبلاً أو مدبرًا، فإن كان مقبلاً كما كان الإسلام يومئذٍ، فالجنوح للسلم بعد أن تكون البداية منهم في ذلك أحسن؛ ليتفرغ منهم إلى سواهم، وينتقص على ذلك كثرة مطالبتهم، ولا بد للأجل المضروب من حلول، فإذا جاء ذلك الأجل بلغ الله الأمل.
وإن كان الأمر في نقصان فالجنوح أيضًا إلى السلم بعد أن تكون البداية منهم في ذلك أحسن انتظارًا منا للفرج، وليتمكن في تلك المدة من أخذ العدة.
قوله عز من قائل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ... )
شرط جل ذكره الصبر والفقه عن الله جل ذكره، وهو في معنى قوله:(وَلَا تَهِنُوا
فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
يَرْجُونَ)وقوله:(قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ
نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا)وتمام الفقه عنه
الثقة بوعده الصادق، وإن النصر مع الصبر والثبات مع الحسبة، والعمل بطاعة الله
والإكثار من ذكره، وعزم الإيمان إن الله مع المؤمنين الذين وصفهم الله في كتابه
العزيز بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) المعنى
إلى آخره، وإنه من كان الله معه فلا يغلب ولا يهزم.
ثم أتبع ذلك بقوله عز قوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ...(66) .
فأعلم أن هذا الحكم منسوخ؛ أعني: بإيجاب الثبوت على واحد إلى عشرة، وأبقى الوعد، إذ
الوعد خبر والخبر لا يتطرقه النسخ، وإبقاء القضية الأولى ثابتة بالخط،
وحكم التخصيص في الزمان قوله جل قوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) فأعلمنا بذلك
أن هذا الوعد والإيجاب لزمان يأتي بعد إن شاء الله وأبقى الآن حكم الثبوت من