ومن لطائف ونكات تفسير أبي السعود:
{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) }
وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذُكر في قوله تعالى {أن الله بريء مّنَ المشركين} اكتفاءً بما في حيز الصلةِ فإنه منبئ عنه إنباءً ظاهراً، واحترازاً عن تكرير لفظة {مِنْ} .
ولا يخفى أن البراءةَ إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه، فنُسبت كلُّ واحدة منهما إلى من هو أصلٌ فيها، على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءةِ، وتهويلاً لأمرها، وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذلِّ والهوانِ ونهايةِ الخِزْيِ والخِذلان، وتنزيهاً لساحة السبحان والكبرياءِ عما يوهم شائبةَ النقصِ والبداء - تعالى عن ذلكَ عُلواً كبيراً - وإدراجه صلى الله عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجُه عن الثانية لتنويه شأن الرفيعِ وإجلالِ قدرِه المنيع في كلا المقامين صلى الله عليه وسلم، وإيثارُ الجملة الاسميةِ على الفعلية كأن يقال: قد برئ الله ورسولُه من الذين أو نحوُ ذلك للدلالة على دوامها واستمرارِها، وللتوسل إلى تهويلها بالتنوين التفخيميِّ.
{فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) }
وإيثارُ صيغةِ الأمرِ مع تسنّي إفادةِ ذلك المعنى بطريق الإخبارِ أيضاً كأن يقالَ مثلاً: فلكم أن تسيحوا أو نحوُ ذلك لإظهار كمالِ القوةِ والغلبةِ وعدمِ الاكتراث لهم ولاستعدادهم فكأن ذلك أمرٌ مطلوبٌ منهم.
{وَأَنَّ الله} وُضع الاسمُ الجليلُ موضِعَ المضمر لتربية المهابةِ، وتهويلِ أمر الإخزاءِ وهو الإذلالُ بما فيه فضيحةٌ وعار.
{مُخْزِى الكافرين} وإيثارُ الإظهارِ على الإضمارِ لذمهم بالكفر بعد وصفهم بالإشراك والإشعار بأن علةَ الإخزاءِ هي كفرُهم.