{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ}
شروعٌ في تحقيق حقيقةِ ما سبق من البراءة وأحكامِها المتفرِّعة عليها وتبيينِ الحكمة الداعيةِ إلى ذلك، والمرادُ بالمشركين الناكثون لأن البراءةَ إنما هي في شأنهم، والاستفهامُ إنكاريٌّ لا بمعنى إنكار الواقعِ كما في قوله تعالى {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله} الخ، بل بمعنى إنكار الوقوعِ ويكون من الكون التامِّ وكيف في محل النصب على التشبيه بالحال أو الظرف وقيل: من الكون الناقصِ وكيف خبرُ يكون قُدّم على اسمه وهو عهدٌ لاقتضائه الصدارة، وللمشركين متعلق بمحذوف وقع حالاً من عهد ولو كان مؤخراً لكان صفةً له أو بيكون عند من يجوز عملَ الأفعالِ الناقصة في الظروف، وعند متعلقٌ بمحذوف وقعَ صفةً لعهدٌ أو بنفسه لأنه مصدرٌ أو بيكون كما مر، ويجوزُ أن يكون الخبرُ للمشركين وعند كما ذكر أو متعلقٌ بالاستقرار الذي تعلق به للمشركين ويجوز أن يكون الخبرُ عند الله، وللمشركين إما تبيينٌ وإما حالٌ من عهدٌ وإما متعلقٌ بيكون أو بالاستقرار الذي تعلق به الخبرُ ولا يبالى بتقديم معمولِ الخبرِ على الاسم لكونه حرفَ جرّ، وكيف على الوجهين الآخيرين نُصب على التشبيه بالظرف أو الحال كما في صورة الكون التام وهو الأولى لأن في إنكار ثبوتِ العهد في نفسه من المبالغة ما ليس في إنكار ثبوتِه للمشركين، لأن ثبوتَه الرابطي فرعُ ثبوتِه العيني فانتفاءُ الأصلِ يوجب انتفاءَ الفرعِ رأساً، وفي توجيه الإنكارِ إلى كيفية ثبوتِ العهدِ من المبالغة ما ليس في توجهه إلى ثبوته لأن كلَّ موجودٍ يجب أن يكون وجودُه على حال من الأحوال قطعاً، فإذا انتفى جميعُ أحوال وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البرهاني أي أو في أي حالٍ يوجد لهم عهدٌ معتدٌ به؟ {عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ} يستحِقُّ أن يراعى حقوقُه ويُحافَظَ عليه إلى إتمام المدة ولا يُتعرَّضَ لهم بحسَبه قتلاً ولا أخذاً، وأما أن يأمنوا به من عذاب الآخرة كما قيل فلا سبيلَ إلى اعتباره