{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}
فيه مسألتان:
الأولى قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج} التقدير في العربية: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج، أو أهل سقاية الحاج، مثلَ من آمن بالله وجاهد في سبيله.
ويصح أن يقدّر الحذف في"من آمن"أي أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل من آمن.
وقيل: التقدير كإيمان من آمن.
والسِّقَاية مصدر كالسِّعاية والحِماية.
فجعل الاسم بموضع المصدر إذْ عُلم معناه؛ مثل إنما السخاء حاتم، وإنما الشِّعر زُهير.
وعمارة المسجد الحرام مثل"واسأل الْقَرْيَةَ".
وقرأ أبو وَجْزة {أجعلتم سُقاةَ الحاج وَعَمرة المسجد الحرام} سُقَاة جمع ساقٍ والأصل سُقْية على فُعْلَةٍ؛ كذا يجمع المعتلّ من هذا، نحو قاض وقُضَاة وناسٍ ونُسَاة.
فإن لم يكن معتلاّ جمع على فُعَلَةٍ نحو ناسئ ونَسَأَة، للذين كانوا ينسئون الشهور.
وكذا قرأ ابن الزبير وسعيد بن جبير"سُقاة وعَمَرة"، إلاَّ أن ابن جُبير نصب"المسجد"على إرادة التنوين في"عَمَرة".
وقال الضحاك: سُقاية بضم السين، وهي لغة.
والحَاجُّ اسم جنس الحُجّاج.
وعمارة المسجد الحرام: معاهدته والقيام بمصالحه.
وظاهر هذه الآية أنها مبطلة قول من افتخر من المشركين بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام؛ كما ذكره السُّدِّي.
قال: افتخر عَباسٌ بالسقاية، وشِيبَةُ بالعمارة، وعليٌّ بالإسلام والجهاد؛ فصدَّق الله عليّاً وكذبهما، وأخبر أن العمارة لا تكون بالكفر، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة.
وهذا بيّن لا غُبار عليه.
ويُقال: إن المشركين سألوا اليهود وقالوا: نحن سُقاة الحاج وعمّار المسجد الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت لهم اليهود عناداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم أفضل.