قوله تعالى: {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ}
خبر لمحذوف، وتنوينه للتفخيم، أي: هذه براءة، أو مبتدأ مخصص، وخبره: {إلى الذين} .
والبراءة في اللغة انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان براءة، أي: انقطعت بيننا العصمة، ولم يبق بيننا علقة.
فإن قيل: حق البراءة أن تُنسب إلى المعاهد، فلم لم تنسب إليهم، ونسبت إلى الله ورسوله؟
أجيب: أن: {عاهدتم} إخبار عن سابق صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم والجماعة، فنسب إلى الكل، كما هو الواقع، وإن كان بإذن الله أيضاً.
وأما البراءة فهي إخبار عن متجدد، فكيف ينسب إليهم، وهم لم يحدثوه بعد، وإنما يسند إلى من أحدثه؟
وقال الناصر: إن سر ذلك أن نسبة العهد إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ إلى المشركين، لا يحسن أدباً، ألا ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث يقول لهم:
(إذا نزلت بحصن فطلبوا النزول على حكم الله، فأنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أصادفت حكم الله فيهم أولا! وإن طلبوا ذمة الله، فأنزلهم على ذمتك، فلأن تخفر ذمتك، خير من أن تخفر ذمة الله) !
فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله، مخافة أن تخفر، وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع، فتوقير عهد الله، وقد تحقق من المشركين النكث، وقد تبرأ منه الله ورسوله بألا ينسب العهد المنبوذ إلى الله أحرى وأجدر. فلذلك نسب العهد إلى المسلمين دون البراءة منه.
وقال الشهاب: ولك أن تقول: إنما أضاف العهد إلى المسلمين، لأن الله علم أن لا عهد لهم، فلذا لم يضف العهد إليه، لبراءته منهم، ومن عهدهم في الأزل.