{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} .
هَذِهِ الْآيَةُ خَاتِمَةُ هَذَا السِّيَاقِ فِي الْحَثِّ عَلَى جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ، لِتَطْهِيرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ وَطُغْيَانِهِ وَخُرَافَاتِهِ، وَإِصْرَارِ الرَّاسِخِينَ فِيهِ عَلَى عَدَاوَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ الْكَلَامُ فِي الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي بَيَانِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي مُوَاصَلَةِ مَا بَدَءُوا
بِهِ مِنْ قِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَجْلِ دِينِهِمْ، وَقِتَالِ هَؤُلَاءِ لَهُمْ إِلَى حَدِّ الْفَصْلِ التَّامِّ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحُجَجُ النَّاصِعَةُ عَلَى كَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْحَقِّ فِي هَذَا الْقِتَالِ، الَّتِي لَوْ عُرِضَتْ عَلَى الْمُنْصِفِينَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ لَحَكَمُوا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ بَسَطْتُ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ بِالتَّفْصِيلِ الْمُسْهِبِ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ غَايَةٌ، وَإِنَّنِي لَا أَذْكُرُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ سِيَاقٌ فِيهِ مِنَ الْإِسْهَابِ وَالتَّأْكِيدِ وَالتَّكْرَارِ مِثْلَ مَا فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَلَمْ أَرَ فِيمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفَاسِيرِ مِنْ سَبْقٍ إِلَى مَا وَفَّقَنِي تَعَالَى لَهُ مِنْ بَيَانِ نُكْتَتِهِ، وَالْإِفْصَاحِ بِحِكْمَتِهِ، وَالتَّكْرَارُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْبَلَاغَةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَسْبَابِ إِقْنَاعِ الْعَقْلِ، وَالتَّأْثِيرِ فِي الْوِجْدَانِ. وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ فِي بَيَانِ حَالِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَشَأْنِهِمْ فِي الْجِهَادِ الْحَقِّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَمَحُصُّهُمْ مِنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ، وَالْهَوَادَةِ فِي حُقُوقِ الْإِسْلَامِ.