{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ}
اختلف في المراد بالمساجد هنا كما اختلف في المراد بها هناك، خلا أن من قال هناك بأن المراد المسجد الحرام لا غير جوز هنا إرادة جميع المساجد قائلاً: إنها غير مخالفة لمقتضى الحال فإن الإيجاب ليس كالسلب وادعى أن المقصود قصر تحقق العمارة على المؤمنين لا قصر لياقتها وجوازها وأنا أرى قصر اللياقة لائقاً بلا قصور، وقرئ بالتوحيد أي إنما يليق أن يعمرها {مَنْ آمَنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِر} على الوجه الذي نطق به الوحي {لَّيْسَ البر وَءاتَى الزكاة} التي أتي بهما الرسول صلى الله عليه وسلم فيندرج في ذلك الإيمان به عليه الصلاة والسلام حتماً إذ لا يتلقى ذلك إلا منه صلى الله عليه وسلم.
وجوز أن يكون ذكر الإيمان به عليه الصلاة والسلام قط طوى تحت ذكر الإيمان بالله تعالى دلالة على أنهما كشيء واحد إذا ذكر أحدهما فهم الآخر، على أنه أشير بذكر المبدأ والمعاد إلى ما جيب الإيمان به أجمع ومن جملته رسالته صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنما لم يذكر عليه الصلاة والسلام لأن المراد {بِمَنِ} هو صلى الله عليه وسلم وأصحابه أي المستحق لعمارة المساجد من هذه صفته كائناً من كان، وليس الكلام في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام والإيمان به بل فيه نفسه وعمارته المسجد واستحقاقه لها، فالآية على حد قوله سبحانه: {إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} إلى قوله تعالى: {فآمِنُوا بالله ورسُولِه النبي الذِى يؤمن بالله وكلماتِه} [الأعراف: 158] والوجه الثاني أولى.