فصل
قال الفخر:
{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) }
في الآية مسائل:
المسألة الأولى:
معنى البراءة انقطاع العصمة.
يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة، ومن هنا يقال برئت من الدين، وفي رفع قوله: {بَرَاءةٌ} قولان: الأول: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة.
قال الفراء: ونظيره قولك إذا نظرت إلى رجل جميل، جميل والله، أي هذا جميل والله، وقوله: {مِّنَ} لابتداء الغاية، والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم، كما تقول كتاب من فلان إلى فلان.
الثاني: أن يكون قوله: {بَرَاءةٌ} مبتدأ وقوله: {مّنَ الله وَرَسُولِهِ} صفتها وقوله: {إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ} هو الخبر كما تقول رجل من بني تميم في الدار.
فإن قالوا: ما السبب في أن نسب البراءة إلى الله ورسوله، ونسب المعاهدة إلى المشركين؟
قلنا قد أذن الله في معاهدة المشركين، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك، وقيل اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين.
المسألة الثالثة:
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف النافقون وأرجفوا بالأراجيف، جعل المشركون ينقضون العهد، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم.
فإن قيل: كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد؟