وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا (26) }
قال: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} ، فذكرهم بضمير المخاطب ثم قال: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، وكان سياق الأسلوب أن يقول: ثم أنزل الله سكينته عليكم، ولكن لما كان في إنزال السكينة لطفا بهم، وتكريما لهم قال: رسوله والمؤمنين فذكرهم بأوصاف التكريم والتعظيم، وذكر أهليتهم لنزول السكينة، وفيه تعظيم لشأن الإيمان، وأن من حصله على وجه كان مع الرسول في الكرامة.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ (38) }
ويرى بعض الدارسين أن في صوت كلمة (مستشزرات) حكاية دقيقة لمعناها أي أن التفشي الذي تلحظه في صوت الشين، وانتشار الهواء وامتلاء الفم به حين النطق، يشبه إلى حد كبير انتشار الشعر، وتشعيثه، وذهابه إلى هناك وهناك، وعندنا أن بطء الكلمة، وثقلها على اللسان يذهب بهذه المزية فيها من حيث إنه يتعارض مع خفة معناها؛ لأنها تصف شعر جميلا خفيفا هفهافا يرتفع إلى العلا، وينبغي أن يلاحظ أن استعمال هذا المقياس يحتاج إلى وعي وذوق؛ لأن هناك كلمات ثقيلة على اللسان، ولكن ثقلها من أهم مظاهر فصاحتها من حيث إن هذا الثقل يصور معناها بحق، انظر كلمة اثاقلتم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ (38) } تجد فيها قدرا من الثقل الفصيح؛ لأنه يصف تقاعسهم وتثاقلهم، وخلودهم إلى الأرض، واستشعارهم مشقة الجهاد، وعزوف أرواحهم عنه، وقد دعوا إليه في عام العسرة، فكان منهم ما وصفت الآية، ولذلك جاء التهديد البالغ ليواجه تخاذل أرواحهم، فقال سبحانه: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} .
{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (40) }