الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَنَّى يَكُونُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبِأَيِّ مَعْنًى يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمْ عَهْدٌ وَذِمَّةٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ، يُوَفَّى لَهُمْ بِهِ، وَيُتْرَكُوا مِنْ أَجْلِهِ آمِنِينَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْبِلَادِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَا عَهْدَ لَهُمْ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَتْلُهُمْ حَيْثُ وَجَدُوهُمْ إِلَّا الَّذِينَ أُعْطُوا الْعَهْدَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَالِاسْتِقَامَةِ لَهُمْ عَلَيْهِ، مَا دَامُوا عَلَيْهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُسْتَقِيمِينَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ جَذِيمَةَ بْنِ الدِّيلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ قُرَيْشٌ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} "
يَقُولُ: هُمْ قَوْمٌ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةٌ، وَلَا يَنْبَغِي لِمُشْرِكٍ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَلَا مَنْ يُعْطِي الْمُسْلِمَ الْجِزْيَةَ""
{فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}
يَعْنِي أَهْلَ الْعَهْدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ:" {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} قَالَ: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ."
وَقَدْ نَسَخَ هَذَا الْأَشْهُرَ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهُمْ، وَغَدَرُوا بِهِمْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، كَمَا قَالَ اللَّهُ، فَضَرَبَ لَهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَخْتَارُونَ مِنْ أَمْرِهِمْ: إِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا، وَإِمَّا أَنْ يَلْحَقُوا بِأَيِّ بِلَادٍ شَاءُوا قَالَ: فَأَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، وَقَبْلَ قَتْلٍ""
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ خُزَاعَةَ