كتبنا في (المنار) الماضي مقالة في (طفولية الأمة وما فيها من الحيرة والغمة)
بينَّا فيها أن الأمة كالطفل، فهي في أشد الحاجة إلى مربٍّ يربيها التربية القومية،
ومعلم يرشدها إلى ما ترتقي به في حياتها الاجتماعية، كما هو شأن الطفل في حياته
الشخصية، وألمحنا إلى أنه قد يوجد فينا أفراد يصلحون لتربية الأمم وإرشادها،
يشاركهم في منصبهم كثيرون من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ومن هنا
جاءت الحيرة والغمة، الأمة في طور الطفولية لا تميز بين النافع والضار، ولكنها
تميل كما قلنا في تلك المقالة إلى جانب الراحة واللذة، فتسمع لمن لا يخطئها في اعتقاد
ولا رأي، ولا يذم لها خلقًا ولاعادة، ولا يحملها على ترك لذة أو احتمال مشقة في
عمل نافع إلا أن يكون ذلك من الضروريات التي لا تخفى على الأطفال، ولو أن ما
عليه الأمة - رؤساؤها ومرؤسوها - من تقاليدها وآرائها وأخلاقها
وعاداتها وعلومها وأعمالها - صواب لا انتقاد عليه، فكيف تكون حينئذ أمة
مهضومة الحقوق، مسلوبة المنافع، تنتقص من أطرافها ويتخطفها الناس؟ ولأي
شيء كانت في أشد الحاجة إلى المربين والمرشدين؟ حارت الأمة وحقيق بأن
تحار، وغُمَّ عليها الأمر واضطرب فيها فكر كل ذيفكر، وما أجدرها بالغمة
والاضطراب! وقد وعدنا في مقالة (المنار) الماضي بأن نُبين مثارات الحيرة
ومناشئ الغمة في مقالة مخصوصة، وها نحن أولاء نفي بالوعد في هذه المقالة
فنقول:
قد أشرنا في مقدمة العدد الأول من (المنار) إلى أكثر المسائل التي لبَّست على
الأمة الحق بالباطل، وشَبَّهت الرشاد بالغيّ، وشرحنا كثيرًا منها في مقالات مطولة
بعد ذلك، ونُقَسِّم ما نذكره ههنا إلى قسمين: قسم قديم العهد دخل أكثره على الأمة من
باب الدين، فاخترق القلوب ونفذ إلى أعماق النفوس، وقسم حديث النشأة دمر على
الأمة من باب التمدن العصري، أما الأول فمن أهم مسائله اعتقاد أن الأمة يجب أن
تكون دائمًا في تَدَلٍّ وهبوط، وأن الترقي والتقدم مستحيلان؛ لأن هذا من علامات
قرب الساعة، وهذا الاعتقاد فاش في المسلمين، ويروون فيه أخبارًا وآثارًا اشتبه