فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 191969 من 466147

(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)

سورة التوبة

{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) }

القسم الثاني من أقسام التورية: وهي التورية المرشحة؛ وهي التي قُرنت بما يلائم المعنى القريب غير المراد المورَّى به، وإنما سميت مرشحةً؛ لتقويتها بذكر لازم المعنى القريب غير المراد، فإنها تزداد بذكره إبهامًا، والملائم للمعنى القريب قد يكون قبل لفظ التورية وقد يكون بعده، فهما إذًا صورتان:

الصورة الأولى: أن يقع الترشيح سابقًا للفظ الحامل للتورية، وذلك كقول الله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}

فالتورية في لفظ: {يَدٍ} فهو لفظ له معنيان: قريب واضح وهو الجارحة المعروفة، وبعيد خفي وهو الذِّلة والاستكانة، والمراد هو المعنى البعيد. وقد قرنت التورية بما يلائم المعنى القريب المورى به وهو قوله: {يُعْطُوا} لأن الإعطاءَ عادةً يقع باليد فهي إذًا مرشحة، وقد وقع الترشيح وهو الإعطاء قبل لفظ التورية. ومن شواهد هذه الصورة قول السراج الوارق:

يا خجلتي وصحائفي سود بدت ... وصحائف الأبرار في إشراق

ومؤنب لي في القيامة قال لي ... أكذا تكون صحائف الوراق

فالتورية في لفظ"الوراق"فهو لفظ حامل لمعنيين؛ أحدهما: قريب واضح وهو الذي يبيع الورق، والآخر: بعيد خفي وهو اسم الشاعر، والمعنى المراد هو البعيد. وقد قرنت هذه التورية بما يلائم المعنى القريب وهو الصحائف، فهذا اللفظ يناسب بائع الورق. وقد جاء هذا اللفظ سابقًا للتورية، وعلى هذه الصورة جاء أيضًا قول أبي الحسين الجزار:

كيف لا أشكر الجِزارة ما عشـ ... تـ حفاظًا وأهجر الآدابا

وبها صارت الكلابُ ترجيـ ... ـني وبالشِّعر كنت أرجو الكلابا

فالتورية في لفظ"كلاب"الثاني؛ لأن له معنيين: قريب واضح وبعيد خفي، فالقريب هو الحيوان المعروف، والبعيد هو لئام الناس وشرارهم، وهو المراد، وهي تورية مرشحة حيث جمعت ما يلائم المعنى القريب وهو قوله:"صارت الكلاب تُرجيني"وقد وقع هنا الترشيح قبل لفظ التورية. ومن شواهد هذه الصورة أيضًا قول الحريري:

يا قوم كم من عانق عانس ... ممدوحة الأوصاف في الأندية

قتلتها لا أبتغي وارثًا ... يطلب مني قَوَدًا أو دية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت