61 -ولمَّا كان السلم هو المقصد الأول لا الحرب .. أكده بقوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} ؛ أي: وإن مال العدو عن جانب الحرب إلى جانب السلم والصلح ولم يعتز بقوته .. {فَاجْنَحْ لَهَا} ؛ أي: فمل إليها واقبلها منهم؛ لأنَّك أولى بالسلم منهم. وقرأ أبو بكر عن عاصم والأعمش والمفضل وابن محيصن: {لِلسَّلْمِ} - بكسر السين - وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ الأشهب العقيليّ: {فَاجْنَحْ} - بضم النون - وقرأ الباقون بفتحها، والأولى لغة قيس، والثانية لغة تميم. قال ابن جني: ولغة قيس هي القياس، والسلم تؤنث كما تؤنث الحرب، أو هي مؤولَّة بالخصلة أو الفعلة.
أي: وإن مال الكفار للصلح بوقوع الرهبة في قلوبهم بمشاهدة ما بكم من الاستعداد .. فاقبله منهم {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ؛ أي: وفوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله؛ ليكون عونًا لك على السلامة، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد، ولا تخف غدرهم ومكرهم {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى {هُوَ السَّمِيعُ} لما يقولون في خلواتهم من مقالات الخداع {الْعَلِيمُ} بما يفعلون وبنياتهم، فلا يخفى عليه ما يأتمرون به من الكيد والخداع - وإن خفي عليك - فيؤاخذهم بما يستحقونه، ويرد كيدهم في نحرهم. وقد اختلف أهل العلم: هل هذه الآية منسوخة أو محكمة؟
فقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} .
وقيل: ليست منسوخة؛ لأنَّ المراد بها قبول الجزية، وقد قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم، فتكون خاصةً بأهل الكتاب.
وقيل: إن المشركين إن دعوا إلى الصلح .. جاز أن يجابوا عليه. وتمسك المانعون من مصالحة المشركين بقوله تعالى {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزةٍ وقوةٍ، لا إذا لم يكونوا كذلك .. فهو جائز، كما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - من مهادنة قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك. وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف مقرَّر في مواطنه. انتهى من"الشوكاني".