{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ}
خَتَمَ اللهُ تَعَالَى سِيَاقَ الْقِتَالِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِأَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْأَسْرَى؛ لِأَنَّ أُمُورَهَا يُفْصَلُ فِيهَا بَعْدَ الْقِتَالِ فِي الْغَالِبِ، كَمَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَكَمَا يَقَعُ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَفَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ مُسْتَأْنَفٌ لِمَا شَأْنُهُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ وَلَا سِيَّمَا مَا فِي قِصَّةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَأَهْلِهَا، وَالْأَسْرَى جَمْعُ أَسِيرٍ كَالْقَتْلَى وَالْجَرْحَى جَمْعٌ قَتِيلٍ وَجَرِيحٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ هَذَا الْجَمْعَ خَاصٌّ بِمَنْ أُصِيبَ فِي بَدَنِهِ أَوْ عَقْلِهِ كَمَرِيضٍ وَمَرْضَى، وَأَحْمَقَ وَحَمْقَى، وَالْأَسِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَسْرِ وَهُوَ الشَّدُّ بِالْإِسَارِ بِالْكَسْرِ أَيِ السَّيْرِ وَهُوَ الْقَدُّ مِنَ الْجِلْدِ، وَكَانَ مَنْ يُؤْخَذُ مِنَ الْعَسْكَرِ فِي الْحَرْبِ يُشَدُّ لِئَلَّا يَهْرَبَ، ثُمَّ صَارَ لَفْظُ الْأَسِيرِ يُطْلَقُ عَلَى أَخِيذِ الْحَرْبِ وَإِنْ لَمْ يُشَدَّ، وَيُجْمَعْ لُغَةً عَلَى أُسَارَى وَقُرِئَ بِهِ فِي الشَّوَاذِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ جَمْعُ أَسْرَى أَيْ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَعَلَى أُسَرَاءِ كَضَعِيفٍ وَضُعَفَاءَ وَعَلِيمٍ وَعُلَمَاءَ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ"تَكُونَ"بِالْفَوْقِيَّةِ بِنَاءً عَلَى تَأْنِيثِ
لَفْظِ الْجَمْعِ أَسْرَى (وَالثِّخَانَةُ مِنَ الثِّخَنِ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، وَالثِّخَانَةَ وَهِيَ الْغِلَظُ وَالْكَثَافَةُ، وَثَوْبٌ ثَخِينٌ ضِدُّ رَقِيقٍ، وَالْعَامَّةُ تَجْعَلُ الثَّاءَ الْمُثَلَّثَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ مُثَنَّاةً.