{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا}
"إذ"منصوب بفعل مقدّر، أي اذكر أو هو بدل ثان من يوم الفرقان.
والمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم في منامه قليلاً، فقصّ ذلك على أصحابه، فكان ذلك سبباً لثباتهم.
ولو رآهم في منامه كثيراً، لفشلوا وجبنوا عن قتالهم وتنازعوا في الأمر، هل يلاقونهم أم لا؟ {ولكن الله سَلَّمَ} أي سلمهم وعصمهم من الفشل والتنازع، فقللهم في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام.
وقيل عني بالمنام: محل النوم، وهو العين، أي في موضع منامك وهو عينك، روي ذلك عن الحسن.
قال الزجاج: هذا مذهب حسن، ولكنّ الأوّل أسوغ في العربية لقوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ} فدلّ بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء، وأن تلك رؤية النوم.
قوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ} الظرف منصوب بمضمر معطوف على الأوّل، أي واذكروا وقت إراءتكم إياهم حال كونهم قليلاً، حتى قال القائل من المسلمين لآخر: أتراهم سبعين؟ قال: هم نحو المائة.
وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى قال قائلهم: إنما هم أكلة جزور، وكان هذا قبل القتال، فلما شرعوا فيه كثر الله المسلمين في أعين المشركين، كما قال في آل عمران: {يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين} [آل عمران: 13] ، ووجه تقليل المسلمين في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلاً أقدموا على القتال غير خائفين، ثم يرونهم كثيراً فيفشلون، وتكون الدائرة عليهم، ويحلّ بهم عذاب الله وسوط عقابه.
واللام في {لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} متعلقة بمحذوف كما سبق مثله قريباً.
وإنما كرره لاختلاف المعلل به {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} كلها يفعل فيها ما يريد ويقضي في شأنها ما يشاء.