[من روائع الأبحاث]
(فصل: في رد شبه بعض الملحدين)
قال الطوفي:
قال:"ولما أشرف عليهم في طلب اعترافهم له بالنبوة، وألحوا عليه في طلب الآيات، وهو لا يظهر منه غير تلاوة القرآن عليهم، عظم ضجرهم حتى ضجوا منه واستغاثوا، فقالوا في سياحهم: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ."
قال: فلم يأتهم بآية ولا لحقهم ضرر، فلما رأى ذلك اعتذر بأن تلى عليهم: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) الآية.
قلت: وهم في هذه الحكاية، وهي حجة عليه.
والصواب فيها: أن قريشا والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما التقوا يوم بدر، استفتح عليه المشركون أبو جهل والنضر بن الحارث وغيرهما.
فقالوا: اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه.
وقال أبو جهل: اللهم انصر أحب الطائفتين إليك اللهم أقطعنا للرحم. وأظلمنا لصاحبه، فانصره عليه.
فقتلَ أبو جهل والنضر في سبعين قتيلا، وأسر مثل ذلك في ذلك اليوم. فكان هذا استفتاحهم عليهم.
ثم لو سلمنا من أنهم قالوا ذلك لضجرهم منه، لكن قد أتاهم العذاب الأليم يوم بدر وغيره وأي عذاب يكون أشد من أن يقتل الشخص ذليلا حقيرا، ثم يصير إلى العذاب الأليم؟
وأما قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) قال الكلبي: معناه: لو أراد أن يعذبهم أخرجك من بينهم.
-قلت: لأن الأنبياء رحمة، لا عذاب. فلا يعذب من هم فيه.
ألا ترى أن لوطا لم يُعذَّب قومه، حتى خرج عنهم، ونوحا وصالحا وموسى وغيرهم من الأنبياء وكذلك.
فهكذا محمد لم يعذب أهل مكة حتى خرج منها.
وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)
فيه قولان:
أحدهما: وفي أصلابهم من سبق في علم الله، أنه سيوجد، فيكون من المؤمنين المستغفرين.
والثاني: وبين أظهرهم مؤمنون مستخفون يستغفرون، فلما خرجوا من بينهم غلبوا بفتح مكة، وقيل: بيوم بدر.
قال:"فإذا كان أعداؤه المكذبون له لا يعذبون وهو فيهم. فكيف عذب أصحابه يوم"أحد"وهزموا. وقتل منهم جماعة".
والجواب: أن ما جرِى لهم يوم"أحد"ليس عذابا، بل شهادة. بدليل قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .