{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}
هَاتَانِ الْآيَتَانِ وَمَا بَعْدَهُمَا تَذْكِيرٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ مِنْ حَالِهِ وَحَالِ قَوْمِهِ مَعَهُ فِي مَكَّةَ كَمَا سَبَقَ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ حَسُنَ هَذَا التَّذْكِيرُ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْعَهْدِ بِنَصْرِهِ تَعَالَى لَهُ عَلَى أُولَئِكَ الْجَاحِدِينَ الْمُعَانِدِينَ، الْفَاتِنِينَ الْمَفْتُونِينَ، الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى وَعَنِ اتِّبَاعِ رَسُولِهِ بِالْقُوَّةِ الْقَاهِرَةِ.
قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ: وَاذْكُرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ فِي نَفْسِكَ، مَا نَقُصُّهُ فِي الْكِتَابِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي عَهْدِكَ وَمِنْ بَعْدِكَ ; لِأَنَّهُ حُجَّةٌ لَكَ عَلَى صِدْقِ دَعْوَتِكَ، وَوَعْدِ رَبِّكَ بِنَصْرِكَ. اذْكُرْ ذَلِكَ الزَّمَنَ الْغَرِيبَ الَّذِي يَمْكُرُ بِكَ فِيهِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِكَ فِي وَطَنِكَ. بِمَا يُدَبِّرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالسِّرِّ مِنْ وَسَائِلِ الْإِيقَاعِ بِكَ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ فَأَمَّا الْإِثْبَاتُ فَالْمُرَادُ بِهِ الشَّدُّ بِالْوَثَاقِ وَالْإِرْهَاقُ بِالْقَيْدِ، وَالْحَبْسُ الْمَانِعُ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْقَتْلُ فَالْمَكْرُ فِيهِ طَرِيقَتُهُ وَصِفَتُهُ الْمُمْكِنَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ ضَرَرُهَا فِيهِمْ عَظِيمًا، وَهُوَ مَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ عَنْهُمْ، وَأَمَّا الْإِخْرَاجُ فَهُوَ النَّفْيُ مِنَ الْوَطَنِ،