قال - رحمه الله:
وقوله: {إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم} .
أي: إنَّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله عند الله {الصم} : عن الحق، فلا ينتفعون به. ولا يتدبرونه، {البكم} : عن قول الحق والإقرار بالله، عز وجل، ورسله، صلوات الله عليه {الذين لاَ يَعْقِلُونَ} : العُمْيُ عن الهدى.
قال مجاهد هم صُمُّ القُلوبِ وبُكْمها وعُميها، وقرأ: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار} [الحج: 46] الآية.
وعُني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار.
وقيل عُني بها: المنافقون.
ثم قال: {وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} .
أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يتعقدونه {لأَسْمَعَهُمْ} ، أي لجعلهم يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع في هذا إسماع القلوب وقبولها ما تسمع الآذان.
وقوله: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ} .
عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لِمَا علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام. على قومه، فقال: {واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم} [يونس: 88] . عاقبهم بالدعاء عليهم لِمَا تبين من إصراررهم على الفكر، وتماديهم عليه، {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} ذلك {لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} ، حسداً ومُعاندةٌ.
وقيل: المعنى: {وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ/ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} . أي: لَفَهَّمَهُم مواعظ القرآن حتى يعقلوا، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب عليهم الشقاء، فلو فهَّمهم ذلك {لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} ؛ لأنه قد سبق فيهم ذلك، والآية للمشركين، وقيل: للمنافقين.