(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(حقيقة الشجاعة)
قال البرقوقي:
قالوا: الشجاعةُ: فَضيلةٌ بينَ التَّهوُّرِ والجُبْنِ.
وفي الأثر: الشجاعةُ غريزةٌ يضعُها اللهُ فيمَنْ يشاء من عباده.
وسئل بعضهم عن الشجاعة فقال: جِبِلَّةُ نفسٍ أبيَّة.
وقيل لبعضهم: ما الشجاعة؟ فقال: صَبْرُ ساعة.
وقال بعض المجرّبين: الرجالُ ثلاثةٌ: فارسٌ، وشجاعٌ، وبطلٌ؛ فالفارس الذي يشدُّ إذا شدُّوا، والشجاع: الداعي إلى البِرازِ والمجيب داعيَه،
والبطل: الحامي لِظهورِ القومِ إذا ولَّوْا ...
ويُروى أن زياد بن أبيه كتب إلى ابن عباس: أنْ صِفْ لي الشجاعةَ والجبنَ والجودَ والبخلَ، فكتب إليه: كتبت تسألني عن طبائعَ رُكّبت في الإنسان تركيبَ الجوارِح، اعلم أن الشُّجاع يقاتل عمَّنْ لا يعرفه، والجبانَ يَفرُّ عن عِرْسِه - زوجه - وأنَّ الجوادَ يُعطي مَنْ لا يلزمُه وأنَّ البخيلَ يُمْسِكُ عن نفسه.
الأسباب المشجعة
قال الجاحظ: الأسبابُ المشجّعة قد تكون عن الغضب، والشرابِ والهوج، والغيرة، والحميّة، وقد تكون مرقوة النَّفْج وحبِّ الأحْدوثة؛ وربّما كان طبعاً، كطبع الرّحيم، والسخيِّ، والبخيل، والجزوع والصّبور، وربّما كان للدِّين، ولكن لا يبلُغ الرجلُ للدّين ما لَمْ يشيِّعه بعضُ ما تقدَّم، لأن الدِّين مجتلَبٌ مكْتَسَبٌ، ولا يكادُ يبلغُ الطبيعةَ.
وقالوا: لا يصدُقُ القتالَ إلا ثلاثةٌ: مُتَديِّنٌ، وغَيْرانُ، ومُمْتَعضٌ من ذلّ.
حثهم على الثبات والإقدام، ونهيهم عن الإحجام والفكر في العواقب
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} ...
زحفاً حال من الذين كفروا، والزحفُ: الجيش الكثير الذي يُرى لكثرته كأنّه يزحف: أي يَدِبُّ دَبيباً، من زحف الصبي: إذا دبَّ على اسْته قليلاً قليلاً، سُمِّى بالمصدر، والجمع: زحوف، والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير متوافِرون وأنْتم قليلٌ فلا تفرُّوا، فضلاً أنْ تُدانوهم في العدد، أو تساووهم ...
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ، وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ... .