ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
سورة الأنفال
قَوْله تَعَالَى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: {لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا} ؟
قيل مَعْنَاهُ: لَو علم فيهم خيرا لأسمعهم سَماع التفهم، وَلَو أسمعهم سَماع الآذان لتولوا. وَقيل مَعْنَاهُ: وَلَو أسمعهم سَماع التفهم لتولوا؛ لما سبق لَهُم من الشقاوة، وَأَنَّهُمْ لَا يصلحون لذَلِك وَلَا خير فيهم.
وَقيل: مَعْنَاهُ: أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ للنَّبِي: أحيي لنا قُصَيًّا؛ فَإِنَّهُ كَانَ شَيخا مُبَارَكًا حَتَّى نشْهد لَك بِالنُّبُوَّةِ فنؤمن بك، فَقَالَ الله تَعَالَى: {وَلَو أسمعهم} كَلَام قُصَيٍّ {لتولوا وهم معرضون} .
قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا}
«فإنْ قيلَ» : إِذا كَانَ الْقُرْآن معجزا كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} وَهل يَقُول أحد: لَو شِئْت قلبت الْحجر ذَهَبا والعصا حَيَّة وَهُوَ عَاجز عَنهُ؟
قيل: إِن الْقُرْآن مطمع مُمْتَنع، فقد يتَوَهَّم صفوهم أَنه يَقُول مثله، وَيمْتَنع عَلَيْهِ ذَلِك فيخطئ ظَنّه. وَقيل: إِنَّه توهم بجهله أَنه يُمكنهُ الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَكَانَ عَاجِزا.
قَوْله تَعَالَى: {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ التلفيق بَين هَذَا وَبَين قَوْله: {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم} ؟
قيل: أَرَادَ بِالْأولِ: عَذَاب الاستئصال، وَبِهَذَا: عَذَاب السَّيْف. وَقيل: أَرَادَ بِالْأولِ: عَذَاب الدُّنْيَا، وَبِالثَّانِي: عَذَاب الْآخِرَة.
وَقيل: المُرَاد بِهِ أُولَئِكَ الَّذين ترك تعذيبهم؛ لكَون النَّبِي بَينهم، وَمَعْنَاهُ: وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله بعد خُرُوجك من بَينهم.
قوله: {وَقَالَ إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ قَالَ (إِنِّي أَخَاف الله) وَقد ترك السُّجُود لآدَم وَهُوَ لم يخف الله؟
الْجَواب فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه قَالَ هَذَا كذبا، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه خَافَ أَن يُؤْخَذ فيفتضح بَين الْإِنْس.
وَمِنْهُم من قَالَ: خَافَ أَنه قد حضر أَجله.