قوله: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} إلخ، شروع في ذكر قتال أهل الكتابين، أثر بيان قتال مشركي العرب، وهذه الآية نزلت حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الروم، فلما نزلت توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوة تبوك.
قوله: (وإلا لآمنوا بالنبي) جواب عما يقال: إن ظاهر الآية يقتضي نفي إيمانهم بالله واليوم الآخر، مع أنهم يزعمون الإيمان بالله واليوم الآخر، وفي كلام المفسر إشارة بالقياس استثنائي وتقريره أن يقال: لو آمن اليهود والنصارى بالله واليوم الآخر، لآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم لم يؤمنوا بالنبي، فلم يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر، وأيضاً دعواهم الإيمان بالله باطلة، لأنهم يعتقدون التجسيم والتشبيه، ولا شك في كونه كفراً، كذلك دعواهم الإيمان باليوم الآخر باطلة، لأنهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجساد، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها، ولا يشربون، ولا ينكحون، فتحصل أن كفرهم بهذه الأمور، وتكذيبهم النبي، ومن كذب نبياً، فقد كفر بالله واليوم الآخر، قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} [النساء: 150 - 151] قوله: (كالخمر) أي والخنزير والربا وكل محرم في شرعنا، فإنهم مخاطبون بفروع الشريعة، ويعذبون عليها زيادة على عذاب الكفر.
قوله: {دِينَ الْحَقِّ} من إضافة الموصوف لصفته.
قوله: (الناسخ لغيره) أي الماحي له، فمن اتبع غير الإسلام فهو كافر، قال تعالى:
{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] وقال تعالى:
{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] ، ويصح أن يراد بالحق الله سبحانه وتعالى، لأن من أسمائه الحق، والمراد بدين الله الإسلام.
قوله: {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ} غاية لقتالهم، وسميت جزية لأنها جزاء لكف القتال عنهم وتأمينهم.