فصل
قال الفخر:
{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) }
اعلم أنه تعالى بين بقوله: {لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك} [التوبة: 42] أنه تخلف قوم من ذلك الغزو، وليس فيه بيان أن ذلك التخلف، كان بإذن الرسول أم لا؟ فلما قال بعده: {عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} دل هذا، على أن فيهم من تخلف بإذنه وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
احتج بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: {عَفَا الله عَنكَ} والعفو يستدعي سابقة الذنب.
والثاني: أنه تعالى قال: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} وهذا استفهام بمعنى الإنكار، فدل هذا على أن ذلك الإذن كان معصية وذنباً.
قال قتادة وعمرو بن ميمون: اثنان فعلهما الرسول، لم يؤمر بشيء فيهما، إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون.
والجواب عن الأول: لا نسلم أن قوله: {عَفَا الله عَنكَ} يوجب الذنب، ولم لا يجوز أن يقال: إن ذلك يدل على مبالغة الله في تعظيمه وتوقيره، كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظماً عنده، عفا الله عنك ما صنعت في أمري ورضي الله عنك، ما جوابك عن كلامي؟ وعافاك الله ما عرفت حقي فلا يكون غرضة من هذا الكلام، إلا مزيد التبجيل والتعظيم.
وقال علي بن الجهم: فيما يخاطب به المتوكل وقد أمر بنفيه:
عفا الله عنك ألا حرمة .. تعود بعفوك إن أبعدا
ألم تر عبداً عدا طوره .. ومولى عفا ورشيداً هدى
أقلني أقالك من لم يزل .. يقيك ويصرف عنك الردى