[من روائع الأبحاث اللغوية]
(فصل: في الرد على بعض الشبهات)
(الإتيان بالضمير العائد على المثنى مفردًا)
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ(62) .
ذكروا هذه الآية، ولفت نظرهم ذكر الله، ثم ذكر رسوله معطوفاً عليه، ثم إيقاع الفعل"يُرضى"على الضمير المفرد، وهو"الهاء"في"يُرضوه"وهو شاهدهم في هذه الشبهة، ثم قالوا:
"فلماذا لم يثنِّ الضمير العائد على الاثنين، اسم الجلالة ورسوله فيقول: أن يُرضوهما"؟!
الرد على الشبهة:
هذه الآية، والتركيب الذي حسبوه أو عاندوا وقالوا إنه خطأ لغوي نحوي، إنما هي لمحة قرآنية تتعلق بعقيدة توحيد الله عز وجل.
ومثيرو هذه الشبهات، لا يعرفون عن حقيقة"التوحيد"شيئاً، وضوابطهم فيه مثل الغربال إذا وضع فيه سائل لا يبقى فيه منه شيء.
وقد فات هؤلاء أمر عظيم، ترتب عليه جهل شنيع ذلك أنهم لم يعرفوا أصلاً، أو لم يستحضروا في أذهانهم وهم يسطرون هذه الشبهة، متى يُثنَّى المعدود، ومتى يجمع، ومتى يظل مفرداً.
وهي من البديهات، بيان ذلك: أن هناك شرطاً موضوعيًّا في تثنية المعدود وجمعه ذلك الشرط هو:
التجانس بين الأفراد في الواقع، فقَلَم يثنى فيقال: قلمان ويجمع فيقال أقلام.
لكن حماراً - مثلاً - لا يثنى مع القلم ولا يجمع، لأنك لو ثنيت القلم والحمار، فقلت قلمان، أو حماران، وأنت تريد قلماً وحماراً لم يفهم أحدٌ من العقلاء ما تريد.
وحتى الرجل والمرأة، وهما فردان بينهما تجانس من جهة، واختلاف من جهة أخرى. فإنك لا تستطيع أن تثنيهما فتقول: رجلان، أو تقول: أمرأتان، وأنت تريد رجلاً وامرأة. هذا لا يجوز عند العقلاء، ولا يجوز في الواقع الذي يحسه الناس ويحترمونه.
هذا التمهيد ضرورى جدًّا لبيان لماذا ورد في القرآن"أن يُرضوه"دون أن يُرضوهما كما اقترح مثيرو هذه الشبهات؟
وذلك لأنه ليس بين الله، وبين رسوله، ولا بين الله وبين أيِّ شيء في الوجود تجانس من أي نوع من الأنواع.
فالله هو الفرد الصمد، الواحد الأحد، الذي لم يلد فليس له ولد، ولم يولد فليس له أم ولا أب. هو الخالق البارئ المصوِّر، ليس له كفواً أحد، وليس كمثله شيء في الوجود وغيره، هو المخلوق المبروء المصوَّر (اسم مفعول) .
من أجل هذا؛ فإن الله لا يُجمَع ولا يُثنيَّ. لا في ذاته ولا مع أحدٍ من خلقه.