{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}
وعندما تسمع كلمة {إِنَّمَا} فافهم أنه يُرَادُ بها القصر، فإن قلتَ"إنما الرجل زيد، أي: أنك قصرت الرجولة على زيد. وإن قلتَ: إنما الكريم حاتم، تكون قد قصرت الكرم على حاتم. وقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الصدقات} معناها: أن الصدقات محصورة في هؤلاء ولا تتعداهم."
فمن هم هؤلاء الذين حصر الحق سبحانه وتعالى فيهم الصدقة؟ وما المراد هنا بالصدقة؟ هل هي صدقة التطوع أو الزكاة؟
نقول: ما دام الحق سبحانه وتعالى قد حدد لها مصارف فهي الزكاة، ولسائل أن يسأل: لماذا لم يَقُل الحق سبحانه وتعالى الزكاة وقال الصدقة؟
ونقول: ألا ترى - في المجتمعات غير الإيمانية الملحدة - أن من الناس مَنْ يكفرون في إنشاء مؤسسات اجتماعية لرعاية الفقراء؟ إن عطف الإنسان على أخيه الإنسان هو أمر غريزي خلقه الله فينا جميعاً، ولذلك كان يجب أن نفهم أن الزكاة صدقة، ولو لم يشرعها الله لكان يجب أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان. وحوادث الكون كلها تدل على صدق وصف الحق سبحانه وتعالى للزكاة بأنها صدقة؛ لأنها تأتي تطوعاً من غير المؤمن وغير الملتزم بالتشريع، ويحس القادر بالسعادة وهو يعطي لغير القادر، وعي غريزة وضعها الله في خلقه ليخفف من الشقاء في الكون.
وهنا يقول الحق: {إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين} وقد احتار العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن الفقير هو الذي لا يجد شيئاً فهو مُعدم. والمسكين هو من يملك شيئاً ولكنه لا يكفيه، وعلى هذا يكون المسكين أحسن حالاً من الفقير، واستندوا في ذلك إلى نص قرآني في قوله تعالى: {أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر ... } [الكهف: 79]