{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}
اختلفوا في صفة الفقير والمسكين على ستة أقوال.
أحدها: أن الفقير: المتعفف عن السؤال.
والمسكين الذي يسأل وبه رَمَق، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وجابر بن زيد، والزهري، والحكم، وابن زيد، ومقاتل.
والثاني: أن الفقير: المحتاج الذي به زمانة.
والمسكين: المحتاج الذي لا زمانة به، قاله قتادة.
والثالث: الفقير: المهاجر، والمسكين: الذي لم يهاجر، قاله الضحاك بن مزاحم، والنخعي.
والرابع: الفقير: فقير المسلمين، والمسكين: من أهل الكتاب، قاله عكرمة.
والخامس: أن الفقير: من له البُلْغَة من الشيء، والمسكين الذي ليس له شيء، قاله أبو حنيفة، ويونس بن حبيب، ويعقوب بن السكّيت، وابن قتيبة.
واحتجوا بقول الراعي:
أمَّا الفقيرُ الذي كانتْ حَلُوبَتُه ...
وفقَ العيال فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ
فسماه فقيراً، وله حَلوبة تكفيه وعياله.
وقال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال لا والله، بل مسكين؛ يريد أنا أسوأ حالاً من الفقير.
والسادس: أن الفقير أمسُّ حاجةً من المسكين، وهذا مذهب أحمد، لأن الفقير مأخوذ من انكسار الفَقار، والمسكنة مأخوذة من السكون والخشوع، وذلك أبلغ.
قال ابن الأنباري: ويروى عن الأصمعي أنه قال: المسكين أحسن حالاً من الفقير.
وقال أحمد بن عبيد: المسكين أحسن حالاً من الفقير، لأن الفقير أصله في اللغة: المفقور الذي نزعت فَقره من فِقَرِ ظهره، فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر؛ فصُرف عن مفقور إلى فقير، كما قيل: مجروح وجريح، ومطبوخ وطبيخ، قال الشاعر:
لَمّا رأى لُبَدَ النُّسُورِ تَطَايَرَتْ ...
رَفَعَ القَوادِمَ كالفقيرِ الأعْزَلِ
قال: ومن الحجة لهذا القول قوله: {وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} [الكهف: 79] فوصف بالمسكنة من له سفينة تساوي مالاً، قال: وهو الصحيح عندنا.