قوله تعالى: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}
على جهة التوبيخ؛ كأنه يقول: لا تفعلوا ما لا ينفع، ثم حكم عليهم بالكفر وعدم الإعتذار من الذنب.
واعتذر بمعنى أعذر، أي صار ذا عذر.
قال لَبيد:
وَمَنْ يَبْكِ حَولاً كاملاً فقد اعتذر ...
والاعتذار: مَحْوُ أثر المَوْجِدة؛ يُقال: اعتذرتِ المنازلُ دَرَست.
والاعتذار الدُّروس.
قال الشاعر:
أم كنتَ تعرِف ايات فقد جعلتْ ... أطلالُ إلْفِك بالوْدكاءِ تَعتذِرُ
وقال ابن الأعرابيّ: أصله القطع.
واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من المَوْجِدة.
ومنه عُذرة الغلام وهو ما يُقطع منه عند الخِتان.
ومنه عُذرة الجارية لأنه يقطع خاتم عُذرتها.
قوله تعالى: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} قيل: كانوا ثلاثة نفر؛ هَزِئ اثنان وضحك واحد؛ فالمعفُّو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم.
والطائفة الجماعة، ويُقال للواحد على معنى نفس طائفة.
وقال ابن الأنبارِيّ: يطلق لفظ الجمع على الواحد؛ كقولك: خرج فلان على البغال.
قال: ويجوز أن تكون الطائفة إذا أُريد بها الواحد طائفاً، والهاء للمبالغة.
واختلف في اسم هذا الرجل الذي عُفِيَ عنه على أقوال.
فقيل: مَخْشِيّ بن حُمَيِّر؛ قاله ابن إسحاق.
وقال ابن هشام: ويُقال فيه ابن مخشي.
وقال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه مخاشن بن حُمَيِّر.
وذكر ابن عبد البر مخاشن الحميري وذكر السهيلي مخشّن ابن خُميّر.
وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة، وكان تاب وسُمّي عبد الرّحمن، فدعا الله أن يُقتل شهيداً ولا يُعلم بقبره.
واختلف هل كان منافقاً أو مسلماً.
فقيل: كان منافقاً ثم تاب توبة نَصُوحاً.
وقيل: كان مسلماً، إلاَّ أنه سمع المنافقين فضحِك لهم ولم يُنكر عليهم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 8 صـ}