قوله: {المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ}
ذكر هاهنا جملة أحوال المنافقين، وأن ذكورهم في ذلك كإناثهم، وأنهم متناهون في النفاق والبعد عن الإيمان، وفيه إشارة إلى نفي أن يكونوا من المؤمنين، وردّ لقولهم: {وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} ، ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادّة حالهم لحال المؤمنين فقال: {يَأْمُرُونَ بالمنكر} وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف} وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً قال الزجاج: هذا متصل بقوله: {وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ} [التوبة: 56] أي ليسوا من المؤمنين، ولكن بعضهم من بعض: أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أي: يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة، والصلة والجهاد، فالقبض كناية عن الشحّ، كما أن البسط كناية عن الكرم.
والنسيان الترك: أي تركوا ما أمرهم به، فتركهم من رحمته وفضله، لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على الله سبحانه، وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم البيان، ثم حكم عليهم بالفسق: أي الخروج عن طاعة الله إلى معاصيه، وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق.
ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر بأنه {نَارُ جَهَنَّمَ} و {خالدين فِيهَا} حال مقدّرة: أي مقدّرين الخلود؛ وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر، كما يقال في الخير: {هِىَ حَسْبُهُمْ} أي: كافيتهم لا يحتاجون إلى زيادة على عذابها،"و"مع ذلك فقد {لَّعَنَهُمُ الله} أي: طردهم وأبعدهم من رحمته {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: نوع آخر من العذاب دائم لا ينفك عنهم.