فصل
قال الشوكاني فِي الآيات السابقة:
{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}
لما ذكر سبحانه المعذرين، ذكر بعدهم أهل الأعذار الصحيحة المسقطة للغزو، وبدأ بالعذر في أصل الخلقة.
فقال: {لَّيْسَ عَلَى الضعفاء} وهم: أرباب الزمانة، والهرم، والعمى، والعرج، ونحو ذلك، ثم ذكر العذر العارض، فقال: {وَلاَ على المرضى} والمراد بالمرضى: كل ما يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعاً.
وقيل: إنه يدخل في المرضى: الأعمى والأعرج ونحوهما.
ثم ذكر العذر الراجع إلى المال، لا إلى البدن فقال: {وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} أي: ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من التجهز للجهاد، فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج، وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم، مقيداً بقوله: {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} وأصل النصح: إخلاص العمل من الغش، ومنه التوبة النصوح.
قال نفطويه: نصح الشيء: إذا خلص، ونصح له القول، أي أخلصه له.
والنصح لله: الإيمان به، والعمل بشريعته.
وترك ما يخالفها كائناً ما كان، ويدخل تحته دخولاً أوّلياً نصح عباده.
ومحبة المجاهدين في سبيله، وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد.
وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه؛ ونصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم: التصديق بنبوته وبما جاء به، وطاعته في كل ما يأمر به، أو ينهي عنه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، ومحبته وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة.