[فوائد لغوية وإعرابية]
قال السمين:
{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}
قوله تعالى: {لَّمَسْجِدٌ} : فيه وجهان أحدهما: أنها لام الابتداء. والثاني: أنها جوابُ قسمٍ محذوف، وعلى التقديرين فيكون"لَمَسْجِدٌ"مبتدأ، و"أُسِّس"في محل رفع نعتاً له، و"أحقُّ"خبره، والقائمُ مقامَ الفاعل ضميرُ المسجد على حذف مضاف أي: أُسس بنيانه.
"مِنْ أولِ"متعلقٌ به، وبه استدلَّ الكوفيون على أن"مِنْ"تكون لابتداء الغاية في الزمان، واستدلوا أيضاً بقوله:
2543 مِنَ الصبحِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ لا ترى ... من القوم إلا خارجيّاً مُسَوَّما
وقوله:
2544 تُخُيِّرْن مِنْ أزمانِ يومِ حَليمةٍ ... إلى اليوم قد جُرِّبْن كلَّ التجاربِ
وتأوَّله البصريون على حذف مضاف أي: من تأسيس أول يوم، ومن طلوع الصبح، ومن مجيء أزمان يوم. وقال أبو البقاء: " وهذا ضعيفٌ، لأن التأسيس المقدر ليس بمكانٍ حتى تكون"مِنْ"لابتداء غايته. ويدلُّ على جواز ذلك قوله: {لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [الروم: 4] ، وهو كثير في القرآن وغيره "، قلت: البصريون إنما فَرُّوا مِنْ كونِها لابتداء الغاية في الزمان، وليس في هذه العبارة ما يقتضي أنها لا تكون إلا لابتداء الغاية في المكان حتى يُرَدَّ عليهم بما ذُكِر، والخلافُ في هذه المسألة قويٌّ، ولأبي علي فيها كلام طويل. وقال ابن عطية: " ويَحْسُنُ عندي أن يستغنى عن تقدير، وأن تكون"مِنْ"تجرُّ لفظة " أول"لأنها بمعنى البداءة كأنه قال: مِنْ مبتدأ الأيام، وقد حُكي لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو".
وقوله: {أَحَقُّ} ليس للتفضيل بل بمعنى حقيق، إذ لا مفاضلةَ بين المسجدَيْن، و"أن تقوم"أي: بأن تقوم، والتاء لخطاب الرسول عليه السلام، و"فيه"متعلقٌ به.