{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}
فيه ست مسائل:
الأولى قوله تعالى: {وَمَا كَانَ المؤمنون} وهي أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدّم؛ إذ لو نفر الكل لضاع مَن وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد ولْيُقِم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلّموه من أحكام الشرع، وما تجدّد نزوله على النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُواْ} وللآية التي قبلها؛ على قول مجاهد وابن زيد.
الثانية هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم؛ لأن المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا كافَّةً والنبيُّ صلى الله عليه وسلم مقيم لا يَنْفر فيتركوه وحده.
{فَلَوْلاَ نَفَرَ} بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم.
{مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} وتبقى بقيّتها مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا؛ فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموه.
وفي هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان.
ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] [الأنبياء: 7] .
فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنن.
الثالثة قوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ} قال الأخفش: أي فهلاّ نفر.
{مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} الطائفة في اللغة الجماعة، وقد تقع على أقل من ذلك حتى تبلغ الرجلين، وللواحد على معنى نفس طائفة.
وقد تقدّم أن المراد بقوله تعالى: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} [التوبة: 66] رجل واحد.
ولا شك أن المراد هنا جماعةٌ لوجهين؛ أحدهما عقلاً، والآخر لغة.