قوله تعالى: {بَرَآءَةٌ} [التوبة: 1] إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] .
الإشارة فيها: فاعلم أن الحكمة ترك كتابة {بِسمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في أول السورة براءة، وكتابتها في سورة النمل؛ ليعلم أنها آية مكررة في القرآن، وأنها أكثر مما أنزلت في أوائل السور؛ لتكون فاصلة بين السورتين، ولتكون كل سورة متوجة بتاج اسم الله تعالى وصفة جماله وجلاله، فحيث نزلت كتبت، وحيث لم تنزل لم تكتب، فلما لم تنزل في أول براءة ما كتبت في أولها ونزلت في أول النمل وفي أثنائها كتبت في الموضعين جمعاً.
{بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] يشير إلى أن النفوس المتمردة المشركة التي اتخذت الهوى إلهاً وتعبدت صنم الدنيا فهادها الروح والقلب في أوان الطفولية، وعاهدها على ألا يجاهداها ولا يقاتلاها إلى حد البلوغ، وهي أيضاً لا تتعرض لها لاستكمال القالب واستواء القوى البشرية التي بها يتحمل حمل الأمانة، واعياً لأركان الشريعة وظهور كمال العقل الذي يستعد لقبول الدعوة وإجابتها، وبه يعرف الرسل ومعجزاتهم، وبه يثبت الصانع ويرى تعبده واجباً لأداء شكر نعمه، وإن الله ورسوله بريء من تلك المعاهدة بعد البلوغ، فإنه وإن نقض عهد النفوس مع القلوب والأرواح؛ لأن النفس قبل البلوغ كانت تتصرف في المأكول والمشروب والملبوس؛ لتربية القالب ودفع الحاجة الماسة غالباً وذلك لمن يكن فقراً جداً للقلب والروح، فأمَّا البلوغ فزاد في تلك التربية بالمكول والمشروب والملبوس الضروري الشهوة، ولمَّا ظهرت الشهوة شملت آفتها المأكول المشروب والنكوح واشتعلت نيرانها وأشعلت يوماً بيوم وفيها مرض القلب والروح وبعثت الأنبياء ولدفع هذا المرض وعلاجه، كما قال صلى الله عليه وسلم:"بعثت لرفع العادات وترك الشهوات".