قوله جلَّ من قائل: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ...(111) .
وقوله جلَّ قوله: (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هذه بيعة الله جل ذكره لكل مؤمن ومؤمنة، والجهاد جهادان:
جهادٌ أكبر: وهو جهاد النفوس دون شهواتها وقمعها في ذات الله جل وعزَّ عن هواها.
وجهاد أصغر: وهو جهاد العدو الظاهر جمع الله الجهادين في قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ(69) .
فمن باع من الله جلَّ ثناؤه نفسه وماله فلا رجوع له عن إمضاء بيعه، وإلا كانت ردة على قدرها، والفرار من العدو الباطن الذي يجر إلى هوى النفس أشد من الفرار يوم الزحف.
ولاشتراك البيعتين أتبع ذلك قوله الحق: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ ... (112) .
وقيل: هم الصائمون(الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ).
ثم أتبع ذلك التحذير من الاستعفار للمشركين إكمالاً للبراءة منهم، والتخير
عنهم إلى حزب الله جل ذكره، فانتظم ذلك كله بما تقدم في سورة الأنفال من
ولاية وبراءة، ومن تعريض بأوصاف المنافقين إلى غير ذلك من معاني ما تقدم، ثم
ذكر الثلاثة المتخلفين في غزوة تبوك وتوبته عليهم، فمن رحمته وجميل توليه - جلَّ جلالُه -
أنه استفتح قصتهم بذكر توبتهم وأعرض عن ذكر الذي كان منهم من تردد وتلدن إنه بهم رءوف رحيم.
ثم أكثر التوصية للمؤمنين بلزوم الصدق فعلاً وقولا وعقدًا، ثم رغب في
الجهاد أحسن ترغيب ووعظ فيه، ورفع ثواب العمل فيه إلى أرفع غاياته، ووصى
جدًّا بالأغلاظ على الكافرين، وأخذ الأهبة لقتالهم وإعطاء الجهد في جهادهم، ثم
أرجع الخطاب إلى ذم المنافقين بوصف إظلام قلوبهم وحرج صدورهم،