(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «يونس»
1 -وقال تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الآية 2] .
المراد بقوله تعالى: (قَدَمَ صِدْقٍ السابقة والفضل والمنزلة الرفيعة، وقد سمّيت السابقة «قدما» ، لأن السعي والسّبق بالقدم، كما سمّيت النّعمة يدا، لأنها تعطى باليد، وباعا لأن صاحبها يبوع بها، فقيل: لفلان قدم في الخير.
وإضافته إلى صِدْقٍ دلالة على زيادة فضل، وأنه من السّوابق العظيمة، وقيل: مقام صدق.
2 -وقال تعالى: (قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [الآية 15] .
أراد تعالى بقوله: ما يَكُونُ لِي، ما يتسهّل لي، وما يمكنني أن أبدّله.
أقول: وهذا من معاني الفعل «كان» ، وهي التامّة غير الناقصة، التي تنصرف إلى معان عدّة.
وقوله تعالى: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى تشتمل على «إن» النافية، وهذا يدعونا إلى أن نقف على هذه الأداة النافية قليلا.
قال النحاة في باب «ليس» وعملها:
إنّ النافيات: «ما» ، و «لا» ، و «لات» و «إن» ، تعمل عمل «ليس» . تعمل عمل «ليس» . فأما «إن» النافية فمذهب البصريين والفرّاء أنّها لا تعمل شيئا، ومذهب الكوفيين، خلا الفرّاء، أنها تعمل عمل «ليس» ، وقال به من البصريّين أبو العباس المبرّد، وأبو
بكر بن السّرّاج، وأبو عليّ الفارسي، وأبو الفتح بن جني.
واستشهدوا مع ذلك بقول الشاعر:
إن هو مستوليا على أحد إلّا على أضعف المجانين وقال آخر:
إن المرء ميتا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا وذكر ابن جني في «المحتسب» أنّ سعيد بن جبير، رضي الله عنه، قرأ:
(إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) [الأعراف/ 194] .
أقول:
لا أريد أن أناقش عمل «إن» فتلك مسألة ضعيفة يعوزها الشاهد الآية، والشاهد الشعري الصحيح، ذلك بأن قراءة سعيد بن جبير قراءة خاصة، والقراءات الكثيرة تجمع على: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ.
فليس في الآية «إن» النافية، بل هي «إنّ» المشبهة بالفعل للتوكيد، المشدّدة النون، وعلى هذا ليس في آي القرآن «إن» النافية التي تعمل عمل «ليس» .
أما البيتان اللذان ادّعي أنهما شاهدان في «إن» النافية العاملة، فهما بيتان يتيمان لا يعرف لهما قائل.