{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) }
(فصل)
تَأمل أحوال هَذِه الشَّمْس فِي انخفاضها وارتفاعها لإقامة هَذِه الأزمنة والفصول، وَمَا فِيهَا من الْمصَالح وَالْحكم، إِذْ لَو كَانَ الزَّمَان كُله فصلا وَاحِدًا لفاتت مصَالح الْفُصُول الْبَاقِيَة فِيهِ.
فَلَو كَانَ صيفا كُله لفاتت مَنَافِع مصَالح الشتَاء، وَلَو كَانَ شتاء لفاتت مصَالح الصَّيف، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ ربيعا كُله أوْ خَرِيفًا كُله فَفِي الشتَاء تغور الْحَرَارَة فِي الأجواف وبطون الأرض وَالْجِبَال، فتتولد مواد الثِّمَار وَغَيرهَا، وتبرد الظَّوَاهِر ويستكثف فِيهِ الْهَوَاء فَيحصل السَّحَاب والمطر والثلج وَالْبرد الَّذِي بِهِ حَيَاة الأرض وَأَهْلهَا، واشتداد أبدان الْحَيَوَان وقوتها وتزايد القوى الطبيعية واستخلاف مَا حللته حرارة الصَّيف من الأبدان.
وَفِي الرّبيع تتحرك الطبائع وَتظهر الْموَاد المتولدة فِي الشتَاء فَيظْهر النَّبَات ويتنور الشّجر بالزهر، ويتحرك الْحَيَوَان للتناسل.
وَفِي الصَّيف يحتد الْهَوَاء ويسخن جدا فتنضج الثِّمَار، وتنحل فضلات الأبدان والأخلاط الَّتِي انْعَقَدت فِي الشتَاء وتغور الْبُرُودَة وتهرب إلى الأجواف.