{حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ... (24) }
شَبَّهَ سُبْحَانَهُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فِي أَنَّهَا تَتَزَيَّنُ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ فَتَرُوقُهُ بِزِينَتِهَا وَتُعْجِبُهُ فَيَمِيلُ إلَيْهَا وَيَهْوَاهَا اغْتِرَارًا مِنْهُ بِهَا، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا قَادِرٌ عَلَيْهَا سُلِبَهَا بَغْتَةً أَحْوَجَ مَا كَانَ إلَيْهَا، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَشَبَّهَهَا بِالْأَرْضِ الَّتِي يَنْزِلُ الْغَيْثُ عَلَيْهَا فَتُعْشِبُ وَيَحْسُنُ نَبَاتُهَا وَيَرُوقُ مَنْظَرُهَا لِلنَّاظِرِ، فَيَغْتَرَّ بِهِ، وَيَظُنَّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا، مَالِكٌ لَهَا، فَيَأْتِيهَا أَمْرُ اللَّهِ فَتُدْرِكُ نَبَاتَهَا الْآفَةُ بَغْتَةً، فَتُصْبِحُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ، فَيَخِيبُ ظَنُّهُ، وَتُصْبِحُ يَدَاهُ صِفْرًا مِنْهَا: فَكَذَا حَالُ الدُّنْيَا وَالْوَاثِقُ بِهَا سَوَاءٌ؛ وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ التَّشْبِيهِ وَالْقِيَاسِ.
(فائدة)
والمقصود أن الترتيب هنا ترتيب التفصيل على الجمل وهو ترتيب علمي لا خارجي فإن الذهن يشعر بالشيء جملة أولا ثم بطلب تفصيله بعد ذلك، وأما في الخارج فلم يقع إلا مفصلا فتأمل هذا الموضع الذي خفي على كثير من الناس حتى ظن أن الترتيب في الآية كترتيب الإخبار أي إنا أخبرناكم بهذا قبل هذا.
(فصل)
وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُهُمُ الصُّوفِيَّةَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَصْحَابُ السَّوَابِقِ، وَأَصْحَابُ الْعَوَاقِبِ، وَأَصْحَابُ الْوَقْتِ، وَأَصْحَابُ الْحَقِّ. قَالَ:
فَأَمَّا أَصْحَابُ السَّوَابِقِ: فَقُلُوبُهُمْ أَبَدًا فِيمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ. لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ الْأَزَلِيَّ لَا يَتَغَيَّرُ بِاكْتِسَابِ الْعَبْدِ.
وَيَقُولُونَ: مَنْ أَقْصَتْهُ السَّوَابِقُ لَمْ تُدْنِهِ الْوَسَائِلُ. فَفِكْرُهُمْ فِي هَذَا أَبَدًا. وَمَعَ ذَلِكَ: فَهُمْ يَجِدُّونَ فِي الْقِيَامِ بِالْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِأَنْوَاعِ الْقُرَبِ، غَيْرَ وَاثِقِينَ بِهَا، وَلَا مُلْتَفِتِينَ إِلَيْهَا، وَيَقُولُ قَائِلُهُمْ:
مِنْ أَيْنَ أُرْضِيكَ إِلَّا أَنْ تُوَفِّقَنِي ... هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا التَّوْفِيقُ مِنْ قِبَلِي