قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا، أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إنْ أَتَّبِعُ إلَّا مَا يُوحَى إلَيَّ}
قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَخَافُونَ عِقَابَنَا؛ لِأَنَّ الرَّجَاءَ يُقَامُ مَقَامَ الْخَوْفِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} قِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: لَا تَطْمَعُونَ فِي ثَوَابِنَا كَقَوْلِهِمْ: تَابَ رَجَاءً لِثَوَابِ اللَّهِ، وَخَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِغَيْرِهِ وَبَيْنَ تَبْدِيلِهِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِغَيْرِهِ لَا يَقْتَضِي رَفْعَهُ بَلْ يَجُوزُ بَقَاؤُهُ مَعَهُ، وَتَبْدِيلُهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِرَفْعِهِ وَوَضْعِ آخَرَ مَكَانَهُ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ.
وَكَانَ سُؤَالُهُمْ لِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالتَّحَكُّمِ؛ إذْ لَمْ يَجِدُوا سَبَبًا آخَرَ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِهِمْ وَتَحَكُّمِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ عَالِمِينَ بِالْمَصَالِحِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهِ، أَوْ يُبَدِّلَهُ بِقَوْلِهِمْ لَقَالُوا فِي الثَّانِي مِثْلَهُ فِي الْأَوَّلِ وَفِي الثَّالِثِ مِثْلَهُ فِي الثَّانِي فَكَانَ يَصِيرُ دَلَائِلُ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعَةً لِمَقَاصِد السُّفَهَاءِ، وَقَدْ قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُقْنِعُهُمْ ذَلِكَ مَعَ عَجْزِهِمْ فَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مِثْلُهُ.